الجنوب السوري بين فكِّ الـتَّـشريد القسري والـتَّـجويع، وفكِّ العودة إلى مناطق سيطرة النظام السوري

الولايات المتحدة الأمريكية تتخلى عن تعهدها في اتفاق جنوب سوريا

الشبكة السورية لحقوق الإنسان
شهدت منطقة جنوب سوريا انهياراً شاملاً لما سُمي “اتفاقات مناطق خفض التَّصعيد” وبكل تأكيد فشلاً إضافياً لمجلس الأمن الدولي، الذي لم يحفظ أيَّ أمن أو سلم في سوريا، ولم يمنع تشريد مئات الآلاف في جنوبها، وهذا الشَّلل مقصود ومفتعل وتكرَّر على مدار سبعة أعوام متواصلة، ويأتي انهيار اتفاق خفض التَّصعيد في جنوب سوريا ضمن سياسة الانتقال من تصفية منطقة إلى أخرى، ذلك بعد أن سحقت القوات الروسية الغوطة الشرقية بمحافظة ريف دمشق، وأنهت المقاومة السورية لفصائل المعارضة المسلحة في ريف حمص الشمالي، لكنَّ المجتمع السوري الرافض لحكم العائلة في سوريا اعتقد أنَّ منطقة جنوب سوريا تتميز عن سابقاتها، فقد خضعت (أجزاء من محافظات درعا والقنيطرة والسويداء) ليس فقط لاتفاق خفض التَّصعيد، الذي أُبرم ضمن محادثات أستانة الرابعة التي ترعاها روسيا بشكل أساسي بل لأنها قد خضعت لاحقاً لاتفاق يُعتبر أكثر أهمية وهو الاتفاق الثنائي الروسي الأمريكي بين الرئيسَين ترامب وبوتين.
خصَّصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان التَّقرير، الذي أصدرته اليوم لتسليط الضوء على الهجمات التي شنَّتها قوات الحلف السوري الروسي على منطقة الجنوب السوري منذ منتصف حزيران حتى 30/ تموز/ 2018، إضافة إلى توثيق الانتهاكات التي ارتكبها تنظيم داعش في منطقة حوض اليرموك، وأُعدَّ التقرير بناء على شهادات من ناجين أو من أقرباء للضحايا واستعرض 2 منها، إضافة إلى عمليات المراقبة المستمرة للحوادث والأخبار.
 
وجاء في التَّقرير أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت شريكاً في كارثة الجنوب السوري عبر تخليها المفاجئ عن تعهدها بحفظ الهدوء هناك، مشيراً إلى أنَّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يذكر في اجتماع “هلنسكي” أو ينوِّه مجرَّد تنويه إلى خرق اتفاق الجنوب السوري وكأنَّ الأمر لا يعنيه بتاتاً، وهذا بحسب التقرير يُذكِّر السوريين بالخط الأحمر للرئيس الأمريكي السَّابق، الذي خذل السوريين في قضية الأسلحة الكيميائية.
 
استعرض التَّقرير السياق الزمني لمعركة الجنوب، وذكر أنَّ قوات النظام السوري اتَّبعت في هجومها على منطقة الجنوب السوري الاستراتيجية ذاتها التي اتَّبعتها في الغوطة الشرقية في شباط/ 2018، عبر تنفيذ غارات جويَّة مُكثَّفة، ثم قصف مدفعي يستهدف الخطوط الخلفية للجبهات، وثالثاً استهداف متعمد للأحياء السكنيَّة والمراكز الطبية، والأسواق بما يشمله ذلك من استهداف للمدنيين الفارين من العمليات العسكرية.
 
رصدَ التقرير الاتفاقات التي خضعت لها محافظتا درعا والقنيطرة والخروقات التي ارتكبتها قوات النظام السوري في المناطق المشمولة بالاتفاقات، حيث سيطرت قواته على المناطق التي كان من المفترض أن لا تدخلها وقام أيضاً بعمليات اعتقال استهدفت المدنيين وحتى المقاتلين التابعين لفصائل في المعارضة المسلحة ممن أجروا عمليات تسوية، وقد رصد التقرير ما لا يقل عن 86 حادثة اعتقال في محافظة درعا في المناطق التي خضعت مؤخراً لسيطرة النظام السوري، وقد تمَّ الإفراج عن بعض المعتقلين بعد ساعات أو أيام من اعتقالهم، لكنَّ مصير عدد كبير منهم لا يزال مجهولاً ويُعتبرون في عداد المختفين قسرياً، كما سجَّل التَّقرير عمليات نهب للممتلكات والمنازل والمحال نفَّذتها قوات النظام السوري والميليشيات المتحالفة معها عقب سيطرتها على المناطق الشرقية في محافظة درعا.
 
استعرض التقرير أبرز الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الحلف السوري الروسي في منطقة الجنوب حيث وثَّق مقتل ما لا يقل عن 281 مدنياً بينهم 84 طفلاً، و63 سيدة (أنثى بالغة). على يد قوات الحلف السوري الروسي مُشيراً إلى ارتكابها أيضاً ما لا يقل عن 12 مجزرة و25 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية بينها 8 على منشآت طبية.
 
وذكر التقرير أنَّ الطيران المروحي التابع للنظام السوري قد ألقى ما لا يقل عن 862 برميلاً متفجراً على منطقة الجنوب السوري في المدة التي يُغطيها، مُشيراً إلى أنَّ تلك العمليات العسكرية قد تسبَّبت في نزوح ما لا يقل عن 340 ألف شخص اضطرَّ عدد منهم إلى العودة إلى المناطق التي شملتها الاتفاقيات المحلية بعد أن خُيروا بين الموت جوعاً وعطشاً بسبب ندرة المساعدات، وبين العودة إلى المناطق التي سيطر عليها النظام السوري مؤخراً، وبالتالي الوقوع تحت خطر الاعتقال أو الخطف، وهو ما يشبه العملية الانتحارية في ظلِّ عدم وجود أية ضمانات تحميهم من الاعتقال أو التعذيب، الذي قد ينتظرهم، والذي قد تعرَّض له بعض أبناء المناطق التي شهدت تسويات مماثلة في محافظات حمص وحلب وريف دمشق.
 
ونوَّه التقرير إلى أنَّ آلاف المواطنين السوريين الذين لم يرغبوا بالعودة إلى مناطق سيطرة النظام السوري قد اضطروا إلى النزوح مرة ثانية باتجاه مناطق في الريف الغربي لدرعا وبعض قرى ريف القنيطرة والمناطق الحدودية مع الجولان.
 
سجَّل التقرير ما تعرَّضت له بلدة حيط الواقعة في حوض اليرموك من عمليات قصف مدفعي نفَّذه تنظيم داعش مُشيراً إلى أنَّ ذلك يبدو كأنَّه تنسيق وتناغم مع النظام السوري وحليفه الروسي، وذكر التقرير أنَّ هجمات تنظيم داعش قد تسبَّبت في مقتل 4 مدنيين بينهم طفل في بلدة حيط الواقعة في حوض اليرموك والخاضعة لسيطرة فصائل في المعارضة المسلحة، ونزوح ما لا يقل عن 1220 عائلة إلى بلدات واقعة في الريف الشمالي الغربي لمدينة درعا، وذكر التقرير نزوح ما لا يقل عن 5 آلاف مدني من حوض اليرموك باتجاه السهول الحدودية مع الجولان عقبَ العملية العسكرية الروسية السورية، التي امتدَّت إلى قرى حوض اليرموك في 19/ تموز.
 
أكَّد التقرير أنَّ قوات الحلف السوري الروسي خرقت اتفاق خفض التَّصعيد والاتفاق الروسي الأمريكي، إضافة إلى قراري مجلس الأمن رقم 2139 و2254 القاضيَين بوقف الهجمات العشوائية، وأيضاً انتهكت عبر جريمة القتل العمد المادتين السابعة والثامنة من قانون روما الأساسي؛ ما يُشكل جرائم حرب.
 
كما مارست قوات الحلف السوري الروسي وفقاً للتقرير جريمة التَّشريد في إطار منهجي وواسع النِّطاق، ومنظَّم ضدَّ السكَّان المدنيين، ولم نُسجِّل قيام هذه القوات بأية تدابير لتوفير مأوى أو رعاية صحية أو غذاء للمدنيين المشرَّدين.
 
وجاء في التَّقرير أن الولايات المتحدة الأمريكية خرقت الاتفاق الروسي الأمريكي من خلال عدم تدخلها في ردع القوات الروسية عن هجومها على منطقة الجنوب السوري وعدم اتخاذها أية خطوات فعلية في إطار حماية المدنيين في المنطقة الجنوبية.
 
حثَّ التَّقرير الإدارة الأمريكية على تحمُّل مسؤولياتها تجاه التزامها في اتفاق الجنوب السوري وتحمُّل تبعات ما حصل إثر نقضها الصَّادم للاتفاق وتعويض آلاف الضحايا الذين تضرَّروا بشكل فظيع جراء تخليها عن اتفاق الجنوب السوري.
 
شدَّد التقرير على ضرورة تحميل الجمعية العامة للأمم المتحدة النِّظامَ السوري الحاكم المسؤوليةَ الكاملة عن تشريد ثلث الشعب السوري، بما في ذلك المسؤولية القانونية والمادية، وضمان نيل الضحايا التَّعويض الكامل عن الخسائر الفادحة التي طالتهم بما في ذلك رد الممتلكات المنهوبة إلى أصحابها.
 
دعا التقرير إلى تطبيق مبدأ مسؤولية الحماية (R2P)، بعد أن تمَّ استنفاذ الخطوات السياسية من اتفاقية الجامعة العربية ثم خطة السيد كوفي عنان وما جاء بعدها من بيانات لوقف الأعمال العدائية واتفاقات أستانة، وبالتالي لا بدَّ بعد تلك المدة من اللجوء إلى الفصل السابع وتطبيق مبدأ مسؤولية الحماية، الذي أقرَّته الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا يزال مجلس الأمن يُعرقل حماية المدنيين في سوريا.
 
وطالب التقرير المبعوث الأممي إلى سوريا بإدانة مرتكبي الجرائم والمجازر والمتسببين الأساسيين في تدمير اتفاقات خفض التَّصعيد، وبالتالي إعلان تحطيم وانتهاء العملية السياسية بالكامل وتحميل مسؤولية ذلك كاملة للحلف الروسي السوري ومكاشفة الشعب السوري بسعي روسيا للسيطرة الكاملة على الأراضي السورية بالقوة ورغبتها العلنية في إعادة تأهيل النظام الحالي؛ ما يعني تشكيلَ حلٍّ سياسي وفق مصالحها.
وأكَّد التقرير على ضرورة قيام لجنة التحقيق الدولية بإعداد تقرير خاص عمَّا حصل من انتهاكات صارخة في منطقة الجنوب السوري على غرار تقرير أحياء حلب الشرقية، والاستفادة مما ورد في هذا التقرير.
 

للاطلاع على التقرير كاملاً

SHARE
متاح بالـ